محمد بن وليد الطرطوشي
266
سراج الملوك
والثالث فأكلهما ، وعبد اللّه ينظر ، فقال : يا غلام كم قوتك كل يوم ؟ قال : ما رأيت ، قال : فلم آثرت هذا الكلب ؟ قال : ما هي بأرض كلاب ، وإنه جاء من مسافة بعيدة جائعا ، فكرهت رده ، قال : فما أنت صانع اليوم ؟ قال : أطوي يومي هذا ، قال عبد اللّه بن جعفر : ألام على السخاء وهذا أسخى مني ؟ فاشترى الغلام والحائط وما فيه من الآلات ، فأعتق الغلام ووهب ذلك له . وقال الثوري « 1 » : رأيت محمد بن سوقة « 2 » بالغداة ، صاحب مائة ألف ، وبالعشي سألنا له من أصحابه خبزة . وقال أبو عبد الرحمن « 3 » : دخل أبو عبد اللّه الروذباري « 4 » ، إلى دار بعض أصحابه فوجده غائبا ، وهناك بيت مقفل ، فكسر القفل ، وأمر بجميع ما وجد فيه من المتاع ، فانفذوه إلى السوق فباعوه ، وأصلحوا به وقتا من الثمن « 5 » ، فجاء صاحب الروذباري فلم يقل شيئا ، فدخلت امرأته بعدهم الدار ، - وعليها كساء - فدخلت بيتا ورمت بالكساء ، وقالت : يا أصحابنا : هذا أيضا من جملة المتاع فبيعوه ، فقال زوجها : لم تكلّفت هذا باختيارك ؟ فقالت : اسكت ، مثل هذا الشيخ يباسطنا ويحكم علينا ، ويبقى لنا شيء ندخره عنه ؟ ! . وأما عبد الله بن بحر فورث خمسة آلاف درهم ، فبعث بها إلى إخوانه صررا ، وقال : ما كنت لأسأل لإخواني الجنة في صلاتي ، وأبخل عليهم بحلالي . ويروى أن الأشعث بن قيس « 6 » ، أرسل إلى عدي بن حاتم « 7 » ، يستعير منه قدرا كانت لأبيه حاتم ، فملأها وبعث بها إليه وقال : إنا لا نعيرها فارغة .
--> ( 1 ) هو سفيان الثوري ، سبقت ترجمته . ( 2 ) محمد بن سوقه من القراء وأهل العبادة والفضل . ( 3 ) أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن محمد الأزدي النيسابوري من علماء المتصوفة . ( 4 ) أبو عبد اللّه الروذبارىّ : أحمد بن عطاء شيخ الصوفية في وقته ، مات سنة 369 ه . ( 5 ) أي أرسلوه إلى السوق واشتروا به حاجات من الثمن الذي باعوه به . ( 6 ) الأشعث بن قيس بن معدىكرب : أمير كندة في الجاهلية والإسلام ، وكانت إقامته في حضر موت ، أسلم وشهد اليرموك كان من المرتدين في أيام أبى بكر ثم أسر وجيء به إلى أبى بكر ، وتاب وحسن إسلامه واشترك في الغزوات بعد ذلك ثم اشترك مع عليّ رضي الله عنه في صفين ، ومات في الكوفة سنة 40 ه ، وأخباره كثيرة فقد كان من ذوى الرأي والإقدام والهيبة ، ( الأعلام 1 / 332 ) . ( 7 ) عدى بن حاتم الطائي : أمير ، صحابي ، من الأجواد العقلاء ، كان رئيس طىء في الجاهلية والإسلام ، أسلم سنة 9 ه ، وهو ابن حاتم الطائي الذي يضرب المثل بجوده وكرمه . سكن الكوفة وشهد الجمل وصفين مع عليّ رضي اللّه عنه ومات بالكوفة سنة 68 ه ، ( الأعلام 4 / 220 ) .